محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
264
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
عليه ، فقلت لهم من هذا الرجل ؟ ومن أنتم ؟ قالوا : ويحك ! ! هذا رجل به كان يمطر المطر ، قلبه على قلب إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ، أما رأيته يخبر عن نفسه أنّ ذكر الجنة والنار ما خطر على قلبه فهل كان أحد كذا إلا إبراهيم الخليل ، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ؟ فقلت : من أنتم ؟ قالوا : نحن السبعة المخصوصون من الأبدال . قلت : علموني شيئا ، قالوا : لا تحب أن تعرف . ولا تحب أن يعرف أنك ممن يحبّ أن لا يعرف ، وفي مثل هذا الحال أنشدوا : كانت لقلبي أهواء مفرّقة * فاستجمعت إذ رأتك العين أهوائي فصار يحسدني من كنت أحسده * وصرت مولى الورث مذ صرت مولائي تركت للناس دنياهم ودينهم * شغلا بذكرك يا ديني ودنيائي وقد سئل أبو سليمان الداراني ، رضي اللّه عنه ، عن أقرب ما يتقرّب به العبد إلى اللّه تبارك وتعالى ، فقال : « أقرب ما يتقرب به إليه أن يطلع اللّه على قلبه وهو لا يريد من الدنيا والآخرة غيره » . فهذه هي العلامة الصادقة ، والدلالة القاطعة على التحقق بهذا المقام العظيم ؛ فإن كان له شعور بشيء من الأغيار المحبوبة فتطّلع إلى بقائها ، أو استوحش لفقدانها فذلك دليل على عدم تحققه بذلك فليعرف منزلته وحدّه ، وليعمل في تصحيح هذا المقام جهده ، وقال رضي اللّه عنه : النعيم ، وإن تنوعت مظاهره ، إنما هو لشهوده واقترابه والعذاب ، وإن تنوعت مظاهره ، إنما هو لوجود حجابه ، فسبب العذاب وجود الحجاب ، وإتمام النعيم بالنظر إلى وجهه الكريم . مظاهر النعيم المتنوعة هي ما ورد من أنواع الثواب في الدار الآخرة من الحور ، والقصور ، والولدان ، والغلمان ، والمآكل والمشارب والملابس ، إلى غير ذلك من أنواع المسرّات والملذات . ومظاهر العذاب المتنوعة ، هي : ما ورد من أنواع العقاب فيها من : الجحيم والحميم ، والزّقوم « 1 » ، والحيات والعقارب والسلاسل الأغلال والأنكال ، وغير ذلك من أنواع الآلام والعقوبات . وليس وجود النعيم والعذاب بسبب وجود هذه الأشياء ومباشرتها للمنعّم والمعذّب ، وإنما ذلك لما تضمنته وظهر فيها من وجود قرب اللّه تعالى وشهوده للمنعّم أو
--> ( 1 ) الزقوم : شجرة بجهنم ، وطعام أهل النار .